الشيخ الأميني
35
الغدير
والعرفان ومنهم المترجم ، ولم تزل الفئتان على طرفي نقيض ، وقد تقوم الحرب بينهما على أشدها ، والصلح خير . وفذلكة المقام أن النفوس تتفاوت حسب جبلاتها واستعداداتها في تلقي الحقائق الراهنة ، فمنها ما تبهظه المعضلات والأسرار ، ومنها ما ينبسط لها فيبسط إليها ذراعا ويمد لها باعا ، وبطبع الحال أن الفئة الأولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون ، كما أن الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حققوه في مدحرة البطلان ، فهنالك تثور المنافرة ، وتحتدم الضغائن ، وتحن نقدر للفريقين مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة وسلوكهم جدد السبيل في طلب الحق ونقول : على المرء أن يسعى بمقدار جهده * وليس عليه أن يكون موفقا ألا إن الناس لمعادن كمعادن الذهب والفضة ( 1 ) وقد تواتر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام : أن أمرنا ، أو حديثنا . صعب مستصعب لا يتحمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب ، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالايمان ( 2 ) إذن فلا نتحرى وقيعة في علماء الدين ولا نمس كرامة العارفين ، ولا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقي منه ، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لو جلست أحدثكم ما سمعت من فم أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم لخرجتم من عندي وأنتم تقولون : إن عليا من أكذب الكاذبين ( 3 ) . وقال إمامنا السيد السجاد عليه السلام : لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ، ولقد آخا رسول الله صلى الله عليه وآله بينهما فما ظنكم بسائر الخلق ( 4 ) وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ، وإلى هذا يشير سيدنا الإمام السجاد زين العابدين عليه السلام بقوله : إني لأكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
--> ( 1 ) حديث ثابت عند الفريقين . ( 2 ) بصائر الدرجات للصفار ص 6 ، أصول الكافي ص 216 . ( 3 ) منح المنة للشعراني ص 14 . ( 4 ) بصائر الدرجات للصفار ص 7 آخر الباب الحادي عشر من الجزء الأول . أصول الكافي لثقة الاسلام الكليني ص 216 .